سهيلة عبد الباعث الترجمان

552

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وطرق الوصول إلى الحقيقة عند الجيلي مختلفة باختلاف تجليات أسماء الحق ، ولذلك يرى : " أن كل اسم يتجلى به الحق فإن الناس فيه مختلفون ، وطرق وصولهم إليه مختلفة ، ولا أذكر من جملة كل اسم إلّا ما وقع لي في خاصة سلوكي في اللّه ، بل جميع ما أذكره في كتابي . . . فإني لا أذكره إلّا على حسب ما فتح اللّه به عليّ في زمان سيري في اللّه وذهابي فيه بطريق الكشف والمعاينة . . . " « 1 » وبعد تمكنه وثبوت المعرفة لديه يترقى الجيلي من حضرة المكاشفة إلى حضرة المشاهدة وهو في قمة النّقاء الروحي ، حيث يشهد بالمعاينة الحقيقة التي تعلق بها قلبه وهي حقيقة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من حيث أنه هو الحقيقة الجامعة للذات العظيم والقرآن الحكيم حيث يقول : رسول اللّه يا مجلى الألوهة * ويا من ذاته الذات النزيهة ظهرت بكل مظهر حسن * تستر عن عيان بالبديهة بأوصاف هي السبع المثاني * وقرآن هي الذات النبيهة . . . « 2 » ويعزو سبب وضعه لهذه الأبيات وإنشائه لها ما سمعه في حلقة سماع عند شيخه الجبرتي من أحد إخوانه وهو الفقيه أحمد الحبايبي « * » قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ « 3 » فقال : فأشهدني الحق سبحانه وتعالى اتصاف نبيّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالسبعة الأوصاف النفسية وهي الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام ، وشهدته صلّى اللّه عليه وسلّم بعد اتصافه بأوصافه عين الذات الغائب في هوية الغيبيات وهو المشار إليه في الآية بالقرآن العظيم " « 4 » . وهكذا يتم له الترقي في سلوكه من الكشف إلى المشاهدة « * * » حيث يتحقق بالمعرفة الكاملة ويرى روحانية الموجودات

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 42 . ( 2 ) الجيلي ، الكهف والرقيم في شرح بسم اللّه الرحمن الرحيم ، القاهرة ، مكتبة المحمودية التجارية ، ص 23 . ( * ) الحبايبي : كان من أخوان الجيلي في حضور السماعات في مسجد الجبرتي . وقد ورد اسمه في المخطوط باسم الجبائي ، ورقة 11 ، ص ب . ( 3 ) سورة الحجر ، الآية : 87 م . ( 4 ) الجيلي ، الكهف والرقيم ، ص 23 . ( * * ) المشاهدة روحانية لا حسية ، ويغلب على كلام الجيلي هنا شيء من المبالغة والاعتداد بالنفس مما جعله وغيره من الصوفية هدفا لهجوم الفقهاء ، وهذا يعتبره البعض مأخذا على الجيلي من حيث الدعوى العريضة التي ينفر منها الصوفية وذلك خوفا من الحجب والكبر اللذان يؤديان إلى الهلاك .